Thursday, 31 January 2013

ــ "الشرفاء": تلك الكلمة التي دنسها النظام ــ


"خليكي انتي ورا، إحنا ولاد كلب مش مهم نموت، لكن انتم ولاد ناس"



مبكرًا جدًا، أدرك الثوار أن كلمة "شرفاء" تحمل داخل طياتها الفساد ذاته والإجرام بعينه. فوجدوا أن "المواطنين الشرفاء" هم أنصار النظام، الذين تصطنع لهم التظاهرات التي ترتفع فيها لافتات التأييد التي كتبها خطاط واحد، ولا مانع من أن يلوحون بعلم الدولة، دليل على وطنيتهم، وتحيطهم شرطة النظام بكل الرعاية والعناية والأزهار والابتسامات.


بالطبع، وعلى الجانب الآخر، ظلت الآلة الإعلامية للنظام تصف المتظاهرون بأنهم مخربون مأجورون أو مغيبون، فبالتالي حلال فيهم قمع قوات النظام بما يتضمنه ذلك من قتل وسحل ودهس بالعربات وتكسير للعظام.


قمع النظام للثائرين ضده لم يكن فقط بالقمع المباشر من شرطته وعسكره، استخدم النظام كل الوسائل مهما بلغ انحطاطها لترسيم أقذر صورة ممكنة عند المشاهدين القابعين في بيوتهم المتابعين لما يحدث عبر شاشات النظام. فليوصَم الثائرون بكل شيء إذن. فهم إما عملاء للخارج أو خارجون على الشرعية أو زناة فساق يتمرمغون في الخطيئة ويتعاطون المخدرات. وهم أيضًا من ذوي الألسنة الطويلة، فهم لا يوقرون كبيرهم الذي في القصر وينعتونه بالصفات غير اللائقة ويصيبون معترضيهم بالقاسي من السباب.


حينما سقط نظام مبارك، ومن عجيب الأمر، أن هؤلاء الثوار الذين صورهم النظام شياطين منذ عدة أيام أصبحوا فجأة "الشباب اللي زي الفل" و"الورد اللي فتح في جناين مصر". وهلل الورد اللي فتح في جناين مصر لعسكر مصر الذين تبين لهم سريعًا سذاجة الورد ومراهقته السياسية، فكان هتاف الجيش والشعب إيد واحدة. وكرر علينا النظام الجديد عبارات الرومانسية الثورية من قبيل الورد والفل وألهبت شاشاته مشاعرنا وأبكت أعيننا بأغاني الشهداء: في جسمي نار ورصاص وحديد، علمك في إيدي وإسمي شهيد.

********

ثم تدهور الحال سريعًا، وبدأ الثائر تلو الآخر في اكتشاف خسة أغاوات مبارك الذين ذرفوا دموع التامسيح في حين يشرنقون السلطة الجديدة بخيوطهم. بدأ الثائرون يتوافدون على الميادين من جديد: يسقط يسقط حكم العسكر.

ورغم إنهم هم أنفسهم من كانوا منذ قليل "الورد اللي فتح في جناين مصر" إلا أنهم فوجئوا من جديد بمن يعيد عليهم نفس الاسطوانة السابقة: مأجورون مخربون عملاء إلخ إلخ. بالطبع كان النظام الجديد يفطن لتساؤل مثل هذا: ألم تكن تمدح هؤلاء منذ أيام قليلة؟ فجاءت الإجابة سريعًا: اللي بينزلوا دلوقت مش هم الشباب النقي بتاع 25 يناير.

عضد هذا الطرح تآزر جماعة الإخوان ومعهم أكثر التيارات الإسلاموية مع العسكر. لن أضيع العديد من السطور هنا فيما يعرفه جميع الثوار من خيانة الإخوان للثورة وتواطؤها المنحط مع عسكر مبارك ومعهم تيارات كالدعوة السلفية والجماعة الإسلامية. كان المتظاهرين يُنتهكون في الشوارع والميادين من قِبل العسكر بأفظع مما رأوا من داخلية مبارك. ورغم هذا كان الإخوان ومن ورائهم أكثر المنتمين للتيارات الإسلاموية يحيون جهود العسكر ويلهجون بالثناء عليهم والدعاء لهم، في حين يضيفون من عندهم من القبائح المستحدثة ليلصقوها بالثوار. فتطلع علينا جريدة الحزب الإخواني بوصف مثل "الأناركيين"!

لكن كانت أكثر العبارات ترديدًا على الأسماع: دول مش شباب 25 يناير الطاهر النقي الجميل.. الورد اللي فتح في جناين مصر.
الورد ذبُل وانضوى عطره مع كل روح جديدة أزهقها العسكر وتواطأ عليها الإخوان.. في كل تظاهرة أو اعتصام ينسحب الباقين من الثوار منهكين جسدًأ وروحًا. تلطخ ملابسهم دماءهم ودماء الرفاق.. الرفاق الذين لن يعودوا.

الغضب يتحول إلى كراهية، الكراهية تتحول إلى بغض شديد. مع كل قمع جديد يبدأ من الثوار من يتساءل، ولو في نفسه، أتجدي السلمية حقًا؟ لقد ذلنا مبارك ومن بعده كلابه وأنهكونا وقتلونا وانتهكوا عرض فتياتنا وشاركهم فقهاء السلطان في النيل من ديننا وأخلاقنا وأعراضنا. فماذا يبقى؟ والعجيب أننا يفعل بنا كل ذلك ثم مع أقل حجر نرميه من ناحيتنا دفاعًا عن النفس يشترك الجميع في انتقادنا ويطالبوننا بالسلمية.

"سلمية دي تبقى خالتك".. عبارة بدأت حدتها في التصاعد شيئًا فشيئًا.....

********
مع انتهاء الانتخابات الرئاسية نجح محمد مرسي. مرسي الإخواني وعد بحق الشهيد. وصدقه الثوار، أو عدد منهم، وانتخبوه بناء على ذلك. قالوا لأنفسهم: فلنعصر اللمون على أنفسنا وننتخبه. الإخوان كاذبون أفاقون لا عهد لهم، لكن مرسي سيصبح رئيسًا لكل المصريين. وهو على أي حال الخيار الوحيد أمام شفيق مبعوث مبارك والعسكر للرئاسة. هكذا قال بعض حكمائنا الذين نثق فيهم كحمدي قنديل وعبد الحليم قنديل ومنال عمر وغيرهم.

مرسي يظهر باطنه مع مرور الوقت؛ طاغية متقزم، إخواني متهالك الفكر مقتول الإبداع كحال أقرانه في الجماعة، متردد مرتعش خائف فاشل، يغيب في البلايا والطوام حتى يأتيه التنظيم بحل لمعضلاته، أو أنه يسافر للخارج بحجة جذب استثمار لم يأتي أبدًا. والأهم: يضيع في عهده كل يوم حق الشهيد. والأنكى: أصبحنا نرى شهداء جدد في عهده السعيد!


يصل الحنق الشعبي ضد مرسي وجماعته المأفونة إلى أقصى مستوى له. ويستعد الكثيرون لتظاهرات حاشدة في الخامس والعشرين من يناير من عام 2013، تسارع الآلة الإعلامية للنظام الجديد في الدوران. تنشط بعض "الشبكات الإخبارية" المعلوم انتماءها لجماعة الإخوان مثل "رصد" في نشر مقابلات وتسجيلات مصورة لمصريين من الشباب والأطفال البائسين. بعضهم يبدو أن يدخن الحشيش، وبعضهم يُسأل عما يفعل فلا يجيب إجابة لها معنى، وبعضهم يتم تصويرهم وهم يقذفون الزجاجات الحارقة أو الحجارة.


ويعتري القلق من يتابع هذه التسجيلات من الذين لم تطمئن قلوبهم باليقين الثوري. الزن على الودان أمر من السحر. وهؤلاء ليسوا "الشباب الطاهر النقي" ولا "الورد اللي فتح في جناين مصر".. بل هم نباتات شيطانية يجب اقتلاعها، والمجد للشرطة البطلة التي تقتلهم وتستأصل شأفتهم... نعم هكذا يقول الإخوان وشيعتهم والسائرون خلفهم وهؤلاء الـمذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

ينسى هؤلاء أو يتناسون أن هؤلاء "البلطجية" "الصيع" "أطفال الشوارع" هم صنيعتنا نحن. أيها المصريون أنتم من تركتم هؤلاء "الوحوش" في فنائكم الخلفي تتكاثر وتتوحش. هؤلاء المتوحشين الذي تستمطرون عليهم اللعنات وتطالبون بقتلهم شر قتلة هم أبناء هذا البلد الذين رماهم دون شفقة إلى الظلم والظلمات.



أذكر ما حكته فتاة عظيمة كمنى سيف عن هؤلاء التعساء الذين شعروا لأول مرة في حياتهم البائسة بأنهم قد نالوا شيئين مهمين: أهل وقضية. الأهل وجدوهم في معتصمي التحرير. كانوا يجدون عندهم الطعام والكلام والكساء والإيواء. بل كان بعض المعتصمين يقومون بمهمة تعليم هؤلاء الأطفال القراءة والكتابة. ومن خلال كل هذا صارت قضية الثوار هي نفسها قضية أطفال الشوارع. تذكر منى سيف أن طفلًا من هؤلاء قال لها ذات مرة حين احتدت المناوشات بين العسكر والثوار: "خليكي انتي ورا، إحنا ولاد كلب مش مهم نموت، لكن انتم ولاد ناس". تلقى هؤلاء الأطفال قدرًا من الرعاية لم يعرفوه طوال أعمارهم الصغيرة. فباتت الثورة ملاذهم وعدو الثورة عدوهم.

لكن المجتمع الأكبر لا يزال على ما يبدو أعمى البصيرة. فحتى مرسي الذي يخطب في المساجد وجماعته المطبوعة على جباه أفرادها علامات الصلاة تستغل هؤلاء التعساء لتشويه خصوم الجماعة من الثوار. ويهرول من ورائهم مجتمع قاسي متبلد يتحجج بأن زبيبة  الصلاة واللحية أصدق قيلًا وأهدى سبيلا، وأن هؤلاء البؤساء مجرد بلطجية أطفال شوارع لا حل معهم إلا السحق بالأقدام كما الحشرات.

الثورة لم تنجح بعد، ولن تنجح أبدًا طالما ظل قطاع عريض من الناس يظن أن الثورات لا يقوم بها إلا "الورد اللي فتح في جناين مصر". لن تنجح إلا حين يتوقف الناس عن فهم كلمة "شرفاء" كما يريد لهم النظام أن يفهموها.

الثــــورة مـســتــــمرة


___________
محمد عبد الدايم
31 يناير 2013

No comments:

Post a Comment