Monday, 25 March 2013

كان يا مكان في أفغانستان

بقلم: محمد قيومي[i] | مجلة فورين بوليسي 27 مايو 2010 [ii]





يفترض العديد من الناس أن أفغانستان كلها كانت دائمًا أرضًا غير محكومة تسكن الفوضى كهوف تلالها. ونظرًا للمشاهد التي ظل الناس يرونها في التليفزيون وعناوين الأخبار المكتوبة عن أفغانستان طيلة العقود الثلاثة الماضية من الحرب، فكثيرون يستنتجون أن هذا البلد لم يتخطّ أبدًا مرحلة العصور الوسطى.


صورة 1: سيدات أفغانيات في متجر للاسطوانات

لكن هذه هي ليست أفغانستان التي أتذكرها. فلقد نشأت في كابول في الخمسينات والستينات. حينما كنت في المدرسة الإعدادية أذكر أني اشتريت أثناء زيارتي لسوق المدينة كتابًا مصورًا عن البلد نشرته وزارة التخطيط الأفغانية. أغلب الصور كانت مؤرخة من الخمسينات. ولقد نسيت إلى حد كبير هذا الكتاب  إلى وقت قريب؛ حيث تركت أفغانستان عام 1968 في بعثة مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت. ثم عملت بعدها في الشرق الأوسط ثم الآن في الولايات المتحدة. لكني قررت مؤخرًا أن أبحث عن نسخة أخرى. أردت استكشاف الحقيقة مدفوعًا بفكرة أن الصور التي تنقلها الأخبار عن تاريخ أفغانستان لا تنسجم مع ذكرياتي الخاصة عنها. ومن خلال أحد الأصدقاء، استلمت نسخة من هذا الكتاب مطالعًا إياه كما لو أنه كبسولة زمنية لأفغانستان التي عرفتها ذات مرة. ربما تم إضافة بعض الرتوش قليلًا عليها بوساطة مسئولي الحكومة آنذاك. لكنها تمثل صورة أكثر واقعية لوطني مقارنة بهذا الذي يراه المرء الآن.

صورة 2: (التعليق الأصلي على الصورة): طلاب جامعة كابول يبدلون فصولهم. الأعداد الملتحقة بالجامعة زادت إلى الضعف في الأعوام الأربعة السابقة.
(تعليق كاتب المقال): حرم جامعة كابول الذي في الصورة هنا لا يبدو مختلفًا جدًا اليوم. لكن الناس مختلفون. في الخمسينات والستينات  كانوا يرتدون أزياء غربية؛ وكان الرجال والنساء يتعاملون سويًا بحرية. اليوم تغطي النساء رؤوسهن وأغلب أجسادهن، حتى في كابول. بعد نصف قرن، يسكن الرجال والنساء في عالمين اكثر انفصالًا
.

منذ نصف قرن مضى، تمكنت النساء الأفغانيات من الحصول على وظائف في الطب. كان هناك اختلاط بين الرجال والنساء بشكل عادي في دور السينما وساحات الجامعات في كابول. كانت المصانع والضواحي تنتج النسيج وبضائع أخرى. كان هناك دولة قانون، وحكومة قادرة على إقامة مشاريع قومية للبنى التحتية، كبناء محطات الطاقة الكهرومائية وإنشاء الطرُق، ولو أن هذا كان بمساعدات خارجية. كان لدى عموم الناس شعور بالأمل، وإيمان بأن التعليم يستطيع إتاحة الفرص للجميع، مع قناعة بأن هناك مستقبل زاهر قادم. كل هذا تم تدميره مع عقود ثلاث من الحرب، لكنه كان حقيقيًا.

صورة 3: (التعليق الأصلي على الصورة): فصل علم الأحياء، جامعة كابول.
(تعليق كاتب المقال):
 في الخمسينات والستينات كان النساء قادرين على الالتحاق بوظائف في حقول كحقل الطب. اليوم المدارس التي تتعلم بها الفتيات هي أماكن مستهدفة أكثر حتى من خمس أو ست أعوام مضت.

قمت فور حصولي على الكتاب بعمل نسخة رقمية منه. تذكر ماضي أفغانستان الذي كان مفعمًا بالتفاؤل  يجعل بؤس حاضره أكثر مأساوية. بعض التعليقات على الصور في الكتاب صعب قراءتها اليوم:
"إن التنوع العرقي في أفغانستان لا تعني الكثير إلا لعالِم أجناس. اسأل أي أفغاني كيف تصنف جارك ولن يقول عنه إلا أنه أخ له."
"يقيم العمال الماهرون مثل عمال المطابع هؤلاء معايير جديدة لأنفسهم ولبلدهم."
"مئات من الفتية الأفغان ناشطون في برامج الكشافة."
لكن في حين أنه من المهم إدراك أن الفوضى والإرهاب والعنف ضد المدارس التي تتعلم فيها الفتيات أمر صعب اجتنابه، أريد أن أري شباب أفغنستان اليوم كيف كان أباؤهم وأجدادهم حقًا يعيشون.

صورة 4: (التعليق الأصلي على الصورة): طالبات التمريض في مستشفى الولادة بجامعة كابول.
(تعليق كاتب المقال):
 بينما نشأت كان التعليم ينظر إليه على أنه أداة عظيمة للمساواة. إذا ذهبت للمدرسة وأحرزت درجات جيدة، يكون لك فرصة الالتحاق بالكلية، وربما تدرس في الخارج، وتكون جزءًا من الطبقة الوسطى، وتتمتع بحياة ذات رفاهية معقولة. كان التعليم مبجلًا. اليوم أعتقد أن الناس أصبحوا أكثر تشاؤمًا. فهم لا يرون الرابط بين التعليم وحياة أفضل. هم يرون بدلًا من ذلك أن أولئك الذين حازوا السلطة والمال لم يفعلون ذلك من خلال وسائل مشروعة.


صورة 5: (التعليق الأصلي على الصورة): أغلب المستشفيات تقدم خدمات رعاية مكثفة لما بعد الولادة للأمهات الحديثات.
(تعليق كاتب المقال):
 قسم الأطفال هذا من الستينات يتناقض بحدة مع هذا الذي زرته عام 2004 في "مزار الشريف". فهناك وجدت طفلين حديثي الولادة يتشاركان نفس الحاضنة! تلك المستشفى، كمثيلاتها في أفغانستان اليوم، لا تمتلك أجهزة كافية.

صورة 6: (التعليق الأصلي على الصورة): قسم الأطفال أثناء وقت الرضاعة.
(تعليق كاتب المقال):
 في الستينات كان نصف الأفغان يحصلون على مستوى ما من الرعاية الصحية تقدم الآن إلى نسبة أقل كثيرًا. المستشفيات اليوم مزدحمة والإمكانات محدودة. تقريبًا لا يكمل طفل من كل خمس أطفال يولدون في أفغانستان عامه الخامس.


صورة 7: (التعليق الأصلي على الصورة): أحد المعامل في مركز بحوث اللقاحات.
(تعليق كاتب المقال): هذا المكان هو مركز للقاحات ملحق بمستشفى في كابول في الستينات. الرعاية الطبية اليوم محدودة بكثير من العوامل، منها نقص الكهرباء. هناك أقل من 20 بالمائة من الأفغان يحصلون على الكهرباء. الكثير من المنازل مضاء بلمبات الكيروسين، حيث يتم فقط تشغيل المراوح لمقاومة حرارة الجو.


صورة 8: (التعليق الأصلي على الصورة): قروي يرحب بزيارة الممرضات له في مسكنه.
(تعليق كاتب المقال): نفذت الحكومة المركزية في أفغانستان برامجًا لتطوير الريف، وكما في هذا الصورة، كان يتم إرسال الممرضات في سيارات الجيب للقرى البعيدة لتطعيم السكان من أمراض كالكوليرا. الآن يجعل الانفلات الأمني هذه الجهود تقترب من استحالة التنفيذ. ممرضات الحكومة، وأيضًا العاملون في الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الأهلية هم أهداف معتادة للمجموعات المتمردة التي تريد فقط خلق الفوضى والإرهاب في المجتمع.


صورة 9: (التعليق الأصلي على الصورة): المئات من الفتية الأفغان ناشطون في برامج الكشافة.
(تعليق كاتب المقال): في يوم ما كان لدى أفغانستان كشافة من الفتية والفتيات. كانت تلك البرامج في الخمسينات والستينات مشابهة جدًا لمثيلاتها في الولايات المتحدة، حيث كان الطلاب في المدارس الابتدائية والإعدادية يتعلمون كيفية تقصي الآثار الطبيعية وإقامة المعسكرات وإنقاذ الناس. لكن فرق الكشافة اختفت بشكل كامل بعد الغزة السوفييتي في أواخر السبعينات.


صورة 10: (التعليق الأصلي على الصورة): سينما بارك توفر، كمثيلاتها، المتعة المطلوبة.
(تعليق كاتب المقال): دار السينما هذه كانت قريبة من مكان سكني حينما كنت صغيرًا. وكنا نستطيع مشاهدة أعمال هوليود السينمائية. أتذكر أني شاهدت هناك فيلم سبارتاكوس وغيره من أفلام أخرى.


صورة 11: (التعليق الأصلي على الصورة): الأمهات والأطفال في ملعب المدينة.
(تعليق كاتب المقال): أتذكر أيضًا وجود ملعب يبعد مئات قليلة من الياردات عن السينما، حيث اعتادت الأمهات اصطحاب أطفالهن للعب. الآن يتسكع الرجال فقط في هذه الملاعب، حيث أنه لم يعد آمنًا اصطحاب الأطفال للخارج.


صورة 12: (التعليق الأصلي على الصورة): يقيم العمال الماهرون مثل عمال المطابع هؤلاء معايير جديدة لأنفسهم ولبلدهم.
(تعليق كاتب المقال): الصناعات الخفيفة والمتوسطة، مثل مصنع المعادن هذا في ضواحي كابول، كانت واعدة بشكل كبير للاقتصاد الأفغاني. لكن اليوم كيف يمكن إدارة مكان كهذا دون طاقة كهربائية وافرة؟ هناك اليوم فقط بضع مصانع صغيرة والناس يعملون من بيوتهم. لا يوجد مراكز صناعية كبرى في أفغانستان. حاليًا صادرات أفغانستان الأساسية هي الأفيون.


صورة 13: (التعليق الأصلي على الصورة): محطة ساروبي للطاقة الكهرومائية على نهر كابول هي أحد محطات الطاقة الرئيسية في البلاد.
(تعليق كاتب المقال): أنشات أفغانستان، بمساعدة من ألمانيا، أول محطاتها للطاقة الكهرومائية في أوائل الخمسينات. في ذلك الوقت كانت تعد متقدمة. وهي لا تزال تعمل إلى اليوم، لكن للأسف خلال الثماني أعوام الماضية لم تستطع حكومة أفغانستان بناء محطة طاقة واحدة من أي نوع. الإنجاز الوحيد الكيير كان مد خط مواصلات مع أوزبكستان بحيث يتم استيراد الطاقة من الشمال.


صورة 14: (التعليق الأصلي على الصورة): يتم خدمة كابول بنظام مواصلات حديث.
(تعليق كاتب المقال): بالمقارنة بالخمسينات والستينات، عدد أقل الآن من النساء يعملن خارج منازلهن، وأصبحت أزيائهن محافظة أكثر مما يمكن رؤيته في هذه الصورة


صورة 15: (التعليق الأصلي على الصورة): لوحة التحكم الرئيسية في مبنى إذاعة كابول. يمكن الاستماع للإذاعة على بعد يصل إلى إندونيسيا وغرب أفريقيا.
(تعليق كاتب المقال): إذا قلبت بين موجات الراديو في الستينات كنت لتسمع إذاعة لنشرات الأخبار العالمية والمحلية وبرامج الموسيقى والتمثيليات الإذاعية الفكاهية والنقاشات السياسية وربما برنامجًا فنيًا بالإضافة لبرنامج للطفل. راديو كابول الذي كانت تديره الحكومة، ونرى صورة لأحد أقسامه هنا، تم إنشاؤه عام 1930.


صورة 16: (التعليق الأصلي على الصورة): واجهة عرض أحد محلات الأزياء.
(تعليق كاتب المقال): متاجر الملابس، مثل هذا الذي في الصورة، كانت شائعة في كابول أثناء طفولتي.



[i] محمد قيومي هو رئيس جامعة كاليفورنيا، نشأ في كابول وأتى للعمل في الولايات المتحدة عام 1978. منذ عام 2002 تطوع بوقته في جهود إعادة الإعمار وعمل في مجلس إدارة البنك المركزي وكمستشار في وزارة المالية.
[ii]  http://www.foreignpolicy.com/articles/2010/05/27/once_upon_a_time_in_afghanistan?

Wednesday, 13 February 2013

محمد عبد الدايم || أكذوبة الشرطة والشعب

أصبحت أفكر مؤخرًا في سبب استخدام هاتين الكلمتين منفصلتين: الشرطة والشعب. أفهم أن الشعب هو المصطلح الحاوي لكل طوائف وفئات وأعراق وأديان ومذاهب الدولة الواحدة التي ينتمي لها هذا الشعب. فحينما نذكر "شعب مصر" لا يمكن هنا أن نستثني مثلًا أصحاب دين معين، فنقول الشعب والمسيحيين. أو نستثني عرق ما، فنقول الشعب والنوبيين. أوقن أن أحدًا لم يصادف تفرقة من هذا النوع في أي مكان أو زمان.

وهنا يبدأ التساؤل: لم دائمًا التفرقة بين الشعب والشرطة؟ تم تكرار هذا التفريق المريب والعجيب حتى اعتادته الآذان رغم شذوذه. فلم يتكلم أحدنا يومًا عن "الشعب والمدرسين"، أو "الشعب والقضاة"، وقس ذلك على باقي الطوائف المدنية. ربما تم نفس التفريق في حالة الجيش.. وتعاظم ربما هذا التفريق منذ يوم التنحي في 11 فبراير 2011، حينما تعالى هتاف "الجيش والشعب إيد واحدة"!

يبدو أن هذا التفريق ليس من فراغ أبدًا ولا محض شعار. فهناك انفصام نفسي حقيقي بين أفراد الشرطة وبين باقي الناس. ظل الناس طويلًا يتعاملون مع (الباشا) سواء تلقب بهذا اللقب لواء أو حتى مخبر. وظل الباشا يتعامل مع الناس بمنظورين: فإما بسطاء "لا ظهر" لهم وحينها يتيح لنفسه أن يطيل يده ولسانه عليهم، أو هم من ذوي النفوذ فتستحيل العلاقة هنا إلى علاقة منفعة أو تبادل مصالح، أو ربما خدمة بلا مقابل يأمن بها الشرطي شر النقل أو الجزاءات التعسفية.. كل حسب نفوذ "ابن الشعب".



ولنا في مظاهرات أفراد الشرطة الأمثلة المخزية. ففي المظاهرات الأخيرة على سبيل المثال التي أقامها أفراد الشرطة في عدد من المحافظات يوم 12 فبراير 2013 كان من بين المطالبات: القصاص ((لشهداء الشرطة))! وتلك مصيبة ما أعظمها من مصيبة.. لقد فقد هؤلاء الإحساس بالمواطنة. فقدوا حتى أي تعاطف مع من يسقط من ضحايا هذا الوطن. هم لا يطالبون بالقصاص إلا فيما يخص دماء رفاقهم. وكأنهم دولة أخرى وشعب آخر.

ربما تكون خطوتنا الأولى نحو إصلاح كل هذا الفساد، الذي حول جهاز الشرطة في نظر الكثيرين إلى جهاز إجرامي بامتياز، أن نزيل هذا الانفصام المرضي الممثل في هذا الشعار المعيب "الشرطة والشعب". يجب أن يتم تأهيل أفراد الشرطة ليقر في نفوسهم أنهم من الشعب وأنهم جزء منه وليسوا قطعة منفصلة عنه. يجب أن يفهم كل مصري، وخاصة أولئك الذين يعملون في جهاز الشرطة أنهم يمارسون وظيفة مثلهم مثل كل من يعمل في أي وظيفة أخرى في هذا البلد. لا يجب أن يظل هذا التمييز المريض قائمًا. الشرطي كأستاذ الجامعة كالمدرس كفرد الجيش كالقاضي كعامل القمامة. كل أمام القانون سواء. وكل أمام المواطنة سواء.

الشعب... والشعب فقط..

__________
محمد عبد الدايم
14 فبراير 2013

Thursday, 31 January 2013

ــ "الشرفاء": تلك الكلمة التي دنسها النظام ــ


"خليكي انتي ورا، إحنا ولاد كلب مش مهم نموت، لكن انتم ولاد ناس"



مبكرًا جدًا، أدرك الثوار أن كلمة "شرفاء" تحمل داخل طياتها الفساد ذاته والإجرام بعينه. فوجدوا أن "المواطنين الشرفاء" هم أنصار النظام، الذين تصطنع لهم التظاهرات التي ترتفع فيها لافتات التأييد التي كتبها خطاط واحد، ولا مانع من أن يلوحون بعلم الدولة، دليل على وطنيتهم، وتحيطهم شرطة النظام بكل الرعاية والعناية والأزهار والابتسامات.


بالطبع، وعلى الجانب الآخر، ظلت الآلة الإعلامية للنظام تصف المتظاهرون بأنهم مخربون مأجورون أو مغيبون، فبالتالي حلال فيهم قمع قوات النظام بما يتضمنه ذلك من قتل وسحل ودهس بالعربات وتكسير للعظام.


قمع النظام للثائرين ضده لم يكن فقط بالقمع المباشر من شرطته وعسكره، استخدم النظام كل الوسائل مهما بلغ انحطاطها لترسيم أقذر صورة ممكنة عند المشاهدين القابعين في بيوتهم المتابعين لما يحدث عبر شاشات النظام. فليوصَم الثائرون بكل شيء إذن. فهم إما عملاء للخارج أو خارجون على الشرعية أو زناة فساق يتمرمغون في الخطيئة ويتعاطون المخدرات. وهم أيضًا من ذوي الألسنة الطويلة، فهم لا يوقرون كبيرهم الذي في القصر وينعتونه بالصفات غير اللائقة ويصيبون معترضيهم بالقاسي من السباب.


حينما سقط نظام مبارك، ومن عجيب الأمر، أن هؤلاء الثوار الذين صورهم النظام شياطين منذ عدة أيام أصبحوا فجأة "الشباب اللي زي الفل" و"الورد اللي فتح في جناين مصر". وهلل الورد اللي فتح في جناين مصر لعسكر مصر الذين تبين لهم سريعًا سذاجة الورد ومراهقته السياسية، فكان هتاف الجيش والشعب إيد واحدة. وكرر علينا النظام الجديد عبارات الرومانسية الثورية من قبيل الورد والفل وألهبت شاشاته مشاعرنا وأبكت أعيننا بأغاني الشهداء: في جسمي نار ورصاص وحديد، علمك في إيدي وإسمي شهيد.

********

ثم تدهور الحال سريعًا، وبدأ الثائر تلو الآخر في اكتشاف خسة أغاوات مبارك الذين ذرفوا دموع التامسيح في حين يشرنقون السلطة الجديدة بخيوطهم. بدأ الثائرون يتوافدون على الميادين من جديد: يسقط يسقط حكم العسكر.

ورغم إنهم هم أنفسهم من كانوا منذ قليل "الورد اللي فتح في جناين مصر" إلا أنهم فوجئوا من جديد بمن يعيد عليهم نفس الاسطوانة السابقة: مأجورون مخربون عملاء إلخ إلخ. بالطبع كان النظام الجديد يفطن لتساؤل مثل هذا: ألم تكن تمدح هؤلاء منذ أيام قليلة؟ فجاءت الإجابة سريعًا: اللي بينزلوا دلوقت مش هم الشباب النقي بتاع 25 يناير.

عضد هذا الطرح تآزر جماعة الإخوان ومعهم أكثر التيارات الإسلاموية مع العسكر. لن أضيع العديد من السطور هنا فيما يعرفه جميع الثوار من خيانة الإخوان للثورة وتواطؤها المنحط مع عسكر مبارك ومعهم تيارات كالدعوة السلفية والجماعة الإسلامية. كان المتظاهرين يُنتهكون في الشوارع والميادين من قِبل العسكر بأفظع مما رأوا من داخلية مبارك. ورغم هذا كان الإخوان ومن ورائهم أكثر المنتمين للتيارات الإسلاموية يحيون جهود العسكر ويلهجون بالثناء عليهم والدعاء لهم، في حين يضيفون من عندهم من القبائح المستحدثة ليلصقوها بالثوار. فتطلع علينا جريدة الحزب الإخواني بوصف مثل "الأناركيين"!

لكن كانت أكثر العبارات ترديدًا على الأسماع: دول مش شباب 25 يناير الطاهر النقي الجميل.. الورد اللي فتح في جناين مصر.
الورد ذبُل وانضوى عطره مع كل روح جديدة أزهقها العسكر وتواطأ عليها الإخوان.. في كل تظاهرة أو اعتصام ينسحب الباقين من الثوار منهكين جسدًأ وروحًا. تلطخ ملابسهم دماءهم ودماء الرفاق.. الرفاق الذين لن يعودوا.

الغضب يتحول إلى كراهية، الكراهية تتحول إلى بغض شديد. مع كل قمع جديد يبدأ من الثوار من يتساءل، ولو في نفسه، أتجدي السلمية حقًا؟ لقد ذلنا مبارك ومن بعده كلابه وأنهكونا وقتلونا وانتهكوا عرض فتياتنا وشاركهم فقهاء السلطان في النيل من ديننا وأخلاقنا وأعراضنا. فماذا يبقى؟ والعجيب أننا يفعل بنا كل ذلك ثم مع أقل حجر نرميه من ناحيتنا دفاعًا عن النفس يشترك الجميع في انتقادنا ويطالبوننا بالسلمية.

"سلمية دي تبقى خالتك".. عبارة بدأت حدتها في التصاعد شيئًا فشيئًا.....

********
مع انتهاء الانتخابات الرئاسية نجح محمد مرسي. مرسي الإخواني وعد بحق الشهيد. وصدقه الثوار، أو عدد منهم، وانتخبوه بناء على ذلك. قالوا لأنفسهم: فلنعصر اللمون على أنفسنا وننتخبه. الإخوان كاذبون أفاقون لا عهد لهم، لكن مرسي سيصبح رئيسًا لكل المصريين. وهو على أي حال الخيار الوحيد أمام شفيق مبعوث مبارك والعسكر للرئاسة. هكذا قال بعض حكمائنا الذين نثق فيهم كحمدي قنديل وعبد الحليم قنديل ومنال عمر وغيرهم.

مرسي يظهر باطنه مع مرور الوقت؛ طاغية متقزم، إخواني متهالك الفكر مقتول الإبداع كحال أقرانه في الجماعة، متردد مرتعش خائف فاشل، يغيب في البلايا والطوام حتى يأتيه التنظيم بحل لمعضلاته، أو أنه يسافر للخارج بحجة جذب استثمار لم يأتي أبدًا. والأهم: يضيع في عهده كل يوم حق الشهيد. والأنكى: أصبحنا نرى شهداء جدد في عهده السعيد!


يصل الحنق الشعبي ضد مرسي وجماعته المأفونة إلى أقصى مستوى له. ويستعد الكثيرون لتظاهرات حاشدة في الخامس والعشرين من يناير من عام 2013، تسارع الآلة الإعلامية للنظام الجديد في الدوران. تنشط بعض "الشبكات الإخبارية" المعلوم انتماءها لجماعة الإخوان مثل "رصد" في نشر مقابلات وتسجيلات مصورة لمصريين من الشباب والأطفال البائسين. بعضهم يبدو أن يدخن الحشيش، وبعضهم يُسأل عما يفعل فلا يجيب إجابة لها معنى، وبعضهم يتم تصويرهم وهم يقذفون الزجاجات الحارقة أو الحجارة.


ويعتري القلق من يتابع هذه التسجيلات من الذين لم تطمئن قلوبهم باليقين الثوري. الزن على الودان أمر من السحر. وهؤلاء ليسوا "الشباب الطاهر النقي" ولا "الورد اللي فتح في جناين مصر".. بل هم نباتات شيطانية يجب اقتلاعها، والمجد للشرطة البطلة التي تقتلهم وتستأصل شأفتهم... نعم هكذا يقول الإخوان وشيعتهم والسائرون خلفهم وهؤلاء الـمذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

ينسى هؤلاء أو يتناسون أن هؤلاء "البلطجية" "الصيع" "أطفال الشوارع" هم صنيعتنا نحن. أيها المصريون أنتم من تركتم هؤلاء "الوحوش" في فنائكم الخلفي تتكاثر وتتوحش. هؤلاء المتوحشين الذي تستمطرون عليهم اللعنات وتطالبون بقتلهم شر قتلة هم أبناء هذا البلد الذين رماهم دون شفقة إلى الظلم والظلمات.



أذكر ما حكته فتاة عظيمة كمنى سيف عن هؤلاء التعساء الذين شعروا لأول مرة في حياتهم البائسة بأنهم قد نالوا شيئين مهمين: أهل وقضية. الأهل وجدوهم في معتصمي التحرير. كانوا يجدون عندهم الطعام والكلام والكساء والإيواء. بل كان بعض المعتصمين يقومون بمهمة تعليم هؤلاء الأطفال القراءة والكتابة. ومن خلال كل هذا صارت قضية الثوار هي نفسها قضية أطفال الشوارع. تذكر منى سيف أن طفلًا من هؤلاء قال لها ذات مرة حين احتدت المناوشات بين العسكر والثوار: "خليكي انتي ورا، إحنا ولاد كلب مش مهم نموت، لكن انتم ولاد ناس". تلقى هؤلاء الأطفال قدرًا من الرعاية لم يعرفوه طوال أعمارهم الصغيرة. فباتت الثورة ملاذهم وعدو الثورة عدوهم.

لكن المجتمع الأكبر لا يزال على ما يبدو أعمى البصيرة. فحتى مرسي الذي يخطب في المساجد وجماعته المطبوعة على جباه أفرادها علامات الصلاة تستغل هؤلاء التعساء لتشويه خصوم الجماعة من الثوار. ويهرول من ورائهم مجتمع قاسي متبلد يتحجج بأن زبيبة  الصلاة واللحية أصدق قيلًا وأهدى سبيلا، وأن هؤلاء البؤساء مجرد بلطجية أطفال شوارع لا حل معهم إلا السحق بالأقدام كما الحشرات.

الثورة لم تنجح بعد، ولن تنجح أبدًا طالما ظل قطاع عريض من الناس يظن أن الثورات لا يقوم بها إلا "الورد اللي فتح في جناين مصر". لن تنجح إلا حين يتوقف الناس عن فهم كلمة "شرفاء" كما يريد لهم النظام أن يفهموها.

الثــــورة مـســتــــمرة


___________
محمد عبد الدايم
31 يناير 2013

Thursday, 24 January 2013

About SoGoSurvey.com, the Online Survey Platform I liked!


When I started to think about choosing a proper tool to do surveys that will benefit my PhD research, I have already decided to go for build up my online questionnaires. Several benefits can be obtained from this tool. It is a convenient and much easier method for both the researcher and respondents. It is also a method that can be circulated easily among respondents with much less time, effort and money than those required in traditional surveying methods.

My initial problem was choosing an online survey website that would suit my requirements; those can be stated in the following points:
  • Reasonable subscription fee (preferably free), after all I am a PhD student with limited budget.
  • The ability to offer complex skip logic and branching that I need to lead respondents to their relevant questions according to their responses.
  • I am not advanced or highly experienced technically, so it was also very important to me that the website interface to be as easy as possible.
  • The final point is that I also wanted to introduce my survey through a "good-looking" website that would "encourage" the respondent to participate.
I used to hear about Survey Monkey, but the first look at the pricing section immediately deterred me! I started to search online for other websites, and I found several. Some were really expensive and the others did not have the "appeal". I was initially convinced with QuestionPro. I have chosen their trial version and I built up my survey. However, after the trial period ended they asked me to upgrade to the "corporate edition" which was to cost me $99 monthly! Their reason was that I used complex logic features which I can continue using them only via that edition!

I did not like this way of "trapping" potential customers as there was no indication which features relate to which edition while I was building up my questionnaires. Therefore, I started searching again packed up with that previous - bad - experience. This time I used the key word "academic" while searching using Google. I found myself interested in SoGoSurvey.com through a link within this website which provided information about pricing. I was initially pleased to find out that I can use the "professional edition" with no costs if I am a student. However, I looked further through SoGoSurvey.com to find out what they also have to offer. I became happier as I found out that all my requirements can be fulfilled via this website.

 
  
I subscribed using my university email address and I already built up one questionnaire. SoGoSurvey.com offered me much easier interface than I experienced before. Branching, skip-logic, piping, etc. were among the many options they offer to produce really professional surveys. The website has the "appeal" I looked for and it gave the option to choose from several design options for the "look" of my questionnaire through the (Look and Feel) section. And the best news to me is: they offer free subscription to the "professional edition" for students and academics!

 I could not ask for more... thanks to SoGoSurvey.com

Mohamed Abdeldayem Soltan
A PhD student at Northumbria University,
Newcastle upon Tyne