أصبحت أفكر مؤخرًا في سبب استخدام هاتين الكلمتين منفصلتين: الشرطة والشعب. أفهم أن الشعب هو المصطلح الحاوي لكل طوائف وفئات وأعراق وأديان ومذاهب الدولة الواحدة التي ينتمي لها هذا الشعب. فحينما نذكر "شعب مصر" لا يمكن هنا أن نستثني مثلًا أصحاب دين معين، فنقول الشعب والمسيحيين. أو نستثني عرق ما، فنقول الشعب والنوبيين. أوقن أن أحدًا لم يصادف تفرقة من هذا النوع في أي مكان أو زمان.
وهنا يبدأ التساؤل: لم دائمًا التفرقة بين الشعب والشرطة؟ تم تكرار هذا التفريق المريب والعجيب حتى اعتادته الآذان رغم شذوذه. فلم يتكلم أحدنا يومًا عن "الشعب والمدرسين"، أو "الشعب والقضاة"، وقس ذلك على باقي الطوائف المدنية. ربما تم نفس التفريق في حالة الجيش.. وتعاظم ربما هذا التفريق منذ يوم التنحي في 11 فبراير 2011، حينما تعالى هتاف "الجيش والشعب إيد واحدة"!
يبدو أن هذا التفريق ليس من فراغ أبدًا ولا محض شعار. فهناك انفصام نفسي حقيقي بين أفراد الشرطة وبين باقي الناس. ظل الناس طويلًا يتعاملون مع (الباشا) سواء تلقب بهذا اللقب لواء أو حتى مخبر. وظل الباشا يتعامل مع الناس بمنظورين: فإما بسطاء "لا ظهر" لهم وحينها يتيح لنفسه أن يطيل يده ولسانه عليهم، أو هم من ذوي النفوذ فتستحيل العلاقة هنا إلى علاقة منفعة أو تبادل مصالح، أو ربما خدمة بلا مقابل يأمن بها الشرطي شر النقل أو الجزاءات التعسفية.. كل حسب نفوذ "ابن الشعب".
ولنا في مظاهرات أفراد الشرطة الأمثلة المخزية. ففي المظاهرات الأخيرة على سبيل المثال التي أقامها أفراد الشرطة في عدد من المحافظات يوم 12 فبراير 2013 كان من بين المطالبات: القصاص ((لشهداء الشرطة))! وتلك مصيبة ما أعظمها من مصيبة.. لقد فقد هؤلاء الإحساس بالمواطنة. فقدوا حتى أي تعاطف مع من يسقط من ضحايا هذا الوطن. هم لا يطالبون بالقصاص إلا فيما يخص دماء رفاقهم. وكأنهم دولة أخرى وشعب آخر.
ربما تكون خطوتنا الأولى نحو إصلاح كل هذا الفساد، الذي حول جهاز الشرطة في نظر الكثيرين إلى جهاز إجرامي بامتياز، أن نزيل هذا الانفصام المرضي الممثل في هذا الشعار المعيب "الشرطة والشعب". يجب أن يتم تأهيل أفراد الشرطة ليقر في نفوسهم أنهم من الشعب وأنهم جزء منه وليسوا قطعة منفصلة عنه. يجب أن يفهم كل مصري، وخاصة أولئك الذين يعملون في جهاز الشرطة أنهم يمارسون وظيفة مثلهم مثل كل من يعمل في أي وظيفة أخرى في هذا البلد. لا يجب أن يظل هذا التمييز المريض قائمًا. الشرطي كأستاذ الجامعة كالمدرس كفرد الجيش كالقاضي كعامل القمامة. كل أمام القانون سواء. وكل أمام المواطنة سواء.
الشعب... والشعب فقط..
__________
محمد عبد الدايم14 فبراير 2013

No comments:
Post a Comment