Monday, 25 March 2013

كان يا مكان في أفغانستان

بقلم: محمد قيومي[i] | مجلة فورين بوليسي 27 مايو 2010 [ii]





يفترض العديد من الناس أن أفغانستان كلها كانت دائمًا أرضًا غير محكومة تسكن الفوضى كهوف تلالها. ونظرًا للمشاهد التي ظل الناس يرونها في التليفزيون وعناوين الأخبار المكتوبة عن أفغانستان طيلة العقود الثلاثة الماضية من الحرب، فكثيرون يستنتجون أن هذا البلد لم يتخطّ أبدًا مرحلة العصور الوسطى.


صورة 1: سيدات أفغانيات في متجر للاسطوانات

لكن هذه هي ليست أفغانستان التي أتذكرها. فلقد نشأت في كابول في الخمسينات والستينات. حينما كنت في المدرسة الإعدادية أذكر أني اشتريت أثناء زيارتي لسوق المدينة كتابًا مصورًا عن البلد نشرته وزارة التخطيط الأفغانية. أغلب الصور كانت مؤرخة من الخمسينات. ولقد نسيت إلى حد كبير هذا الكتاب  إلى وقت قريب؛ حيث تركت أفغانستان عام 1968 في بعثة مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت. ثم عملت بعدها في الشرق الأوسط ثم الآن في الولايات المتحدة. لكني قررت مؤخرًا أن أبحث عن نسخة أخرى. أردت استكشاف الحقيقة مدفوعًا بفكرة أن الصور التي تنقلها الأخبار عن تاريخ أفغانستان لا تنسجم مع ذكرياتي الخاصة عنها. ومن خلال أحد الأصدقاء، استلمت نسخة من هذا الكتاب مطالعًا إياه كما لو أنه كبسولة زمنية لأفغانستان التي عرفتها ذات مرة. ربما تم إضافة بعض الرتوش قليلًا عليها بوساطة مسئولي الحكومة آنذاك. لكنها تمثل صورة أكثر واقعية لوطني مقارنة بهذا الذي يراه المرء الآن.

صورة 2: (التعليق الأصلي على الصورة): طلاب جامعة كابول يبدلون فصولهم. الأعداد الملتحقة بالجامعة زادت إلى الضعف في الأعوام الأربعة السابقة.
(تعليق كاتب المقال): حرم جامعة كابول الذي في الصورة هنا لا يبدو مختلفًا جدًا اليوم. لكن الناس مختلفون. في الخمسينات والستينات  كانوا يرتدون أزياء غربية؛ وكان الرجال والنساء يتعاملون سويًا بحرية. اليوم تغطي النساء رؤوسهن وأغلب أجسادهن، حتى في كابول. بعد نصف قرن، يسكن الرجال والنساء في عالمين اكثر انفصالًا
.

منذ نصف قرن مضى، تمكنت النساء الأفغانيات من الحصول على وظائف في الطب. كان هناك اختلاط بين الرجال والنساء بشكل عادي في دور السينما وساحات الجامعات في كابول. كانت المصانع والضواحي تنتج النسيج وبضائع أخرى. كان هناك دولة قانون، وحكومة قادرة على إقامة مشاريع قومية للبنى التحتية، كبناء محطات الطاقة الكهرومائية وإنشاء الطرُق، ولو أن هذا كان بمساعدات خارجية. كان لدى عموم الناس شعور بالأمل، وإيمان بأن التعليم يستطيع إتاحة الفرص للجميع، مع قناعة بأن هناك مستقبل زاهر قادم. كل هذا تم تدميره مع عقود ثلاث من الحرب، لكنه كان حقيقيًا.

صورة 3: (التعليق الأصلي على الصورة): فصل علم الأحياء، جامعة كابول.
(تعليق كاتب المقال):
 في الخمسينات والستينات كان النساء قادرين على الالتحاق بوظائف في حقول كحقل الطب. اليوم المدارس التي تتعلم بها الفتيات هي أماكن مستهدفة أكثر حتى من خمس أو ست أعوام مضت.

قمت فور حصولي على الكتاب بعمل نسخة رقمية منه. تذكر ماضي أفغانستان الذي كان مفعمًا بالتفاؤل  يجعل بؤس حاضره أكثر مأساوية. بعض التعليقات على الصور في الكتاب صعب قراءتها اليوم:
"إن التنوع العرقي في أفغانستان لا تعني الكثير إلا لعالِم أجناس. اسأل أي أفغاني كيف تصنف جارك ولن يقول عنه إلا أنه أخ له."
"يقيم العمال الماهرون مثل عمال المطابع هؤلاء معايير جديدة لأنفسهم ولبلدهم."
"مئات من الفتية الأفغان ناشطون في برامج الكشافة."
لكن في حين أنه من المهم إدراك أن الفوضى والإرهاب والعنف ضد المدارس التي تتعلم فيها الفتيات أمر صعب اجتنابه، أريد أن أري شباب أفغنستان اليوم كيف كان أباؤهم وأجدادهم حقًا يعيشون.

صورة 4: (التعليق الأصلي على الصورة): طالبات التمريض في مستشفى الولادة بجامعة كابول.
(تعليق كاتب المقال):
 بينما نشأت كان التعليم ينظر إليه على أنه أداة عظيمة للمساواة. إذا ذهبت للمدرسة وأحرزت درجات جيدة، يكون لك فرصة الالتحاق بالكلية، وربما تدرس في الخارج، وتكون جزءًا من الطبقة الوسطى، وتتمتع بحياة ذات رفاهية معقولة. كان التعليم مبجلًا. اليوم أعتقد أن الناس أصبحوا أكثر تشاؤمًا. فهم لا يرون الرابط بين التعليم وحياة أفضل. هم يرون بدلًا من ذلك أن أولئك الذين حازوا السلطة والمال لم يفعلون ذلك من خلال وسائل مشروعة.


صورة 5: (التعليق الأصلي على الصورة): أغلب المستشفيات تقدم خدمات رعاية مكثفة لما بعد الولادة للأمهات الحديثات.
(تعليق كاتب المقال):
 قسم الأطفال هذا من الستينات يتناقض بحدة مع هذا الذي زرته عام 2004 في "مزار الشريف". فهناك وجدت طفلين حديثي الولادة يتشاركان نفس الحاضنة! تلك المستشفى، كمثيلاتها في أفغانستان اليوم، لا تمتلك أجهزة كافية.

صورة 6: (التعليق الأصلي على الصورة): قسم الأطفال أثناء وقت الرضاعة.
(تعليق كاتب المقال):
 في الستينات كان نصف الأفغان يحصلون على مستوى ما من الرعاية الصحية تقدم الآن إلى نسبة أقل كثيرًا. المستشفيات اليوم مزدحمة والإمكانات محدودة. تقريبًا لا يكمل طفل من كل خمس أطفال يولدون في أفغانستان عامه الخامس.


صورة 7: (التعليق الأصلي على الصورة): أحد المعامل في مركز بحوث اللقاحات.
(تعليق كاتب المقال): هذا المكان هو مركز للقاحات ملحق بمستشفى في كابول في الستينات. الرعاية الطبية اليوم محدودة بكثير من العوامل، منها نقص الكهرباء. هناك أقل من 20 بالمائة من الأفغان يحصلون على الكهرباء. الكثير من المنازل مضاء بلمبات الكيروسين، حيث يتم فقط تشغيل المراوح لمقاومة حرارة الجو.


صورة 8: (التعليق الأصلي على الصورة): قروي يرحب بزيارة الممرضات له في مسكنه.
(تعليق كاتب المقال): نفذت الحكومة المركزية في أفغانستان برامجًا لتطوير الريف، وكما في هذا الصورة، كان يتم إرسال الممرضات في سيارات الجيب للقرى البعيدة لتطعيم السكان من أمراض كالكوليرا. الآن يجعل الانفلات الأمني هذه الجهود تقترب من استحالة التنفيذ. ممرضات الحكومة، وأيضًا العاملون في الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الأهلية هم أهداف معتادة للمجموعات المتمردة التي تريد فقط خلق الفوضى والإرهاب في المجتمع.


صورة 9: (التعليق الأصلي على الصورة): المئات من الفتية الأفغان ناشطون في برامج الكشافة.
(تعليق كاتب المقال): في يوم ما كان لدى أفغانستان كشافة من الفتية والفتيات. كانت تلك البرامج في الخمسينات والستينات مشابهة جدًا لمثيلاتها في الولايات المتحدة، حيث كان الطلاب في المدارس الابتدائية والإعدادية يتعلمون كيفية تقصي الآثار الطبيعية وإقامة المعسكرات وإنقاذ الناس. لكن فرق الكشافة اختفت بشكل كامل بعد الغزة السوفييتي في أواخر السبعينات.


صورة 10: (التعليق الأصلي على الصورة): سينما بارك توفر، كمثيلاتها، المتعة المطلوبة.
(تعليق كاتب المقال): دار السينما هذه كانت قريبة من مكان سكني حينما كنت صغيرًا. وكنا نستطيع مشاهدة أعمال هوليود السينمائية. أتذكر أني شاهدت هناك فيلم سبارتاكوس وغيره من أفلام أخرى.


صورة 11: (التعليق الأصلي على الصورة): الأمهات والأطفال في ملعب المدينة.
(تعليق كاتب المقال): أتذكر أيضًا وجود ملعب يبعد مئات قليلة من الياردات عن السينما، حيث اعتادت الأمهات اصطحاب أطفالهن للعب. الآن يتسكع الرجال فقط في هذه الملاعب، حيث أنه لم يعد آمنًا اصطحاب الأطفال للخارج.


صورة 12: (التعليق الأصلي على الصورة): يقيم العمال الماهرون مثل عمال المطابع هؤلاء معايير جديدة لأنفسهم ولبلدهم.
(تعليق كاتب المقال): الصناعات الخفيفة والمتوسطة، مثل مصنع المعادن هذا في ضواحي كابول، كانت واعدة بشكل كبير للاقتصاد الأفغاني. لكن اليوم كيف يمكن إدارة مكان كهذا دون طاقة كهربائية وافرة؟ هناك اليوم فقط بضع مصانع صغيرة والناس يعملون من بيوتهم. لا يوجد مراكز صناعية كبرى في أفغانستان. حاليًا صادرات أفغانستان الأساسية هي الأفيون.


صورة 13: (التعليق الأصلي على الصورة): محطة ساروبي للطاقة الكهرومائية على نهر كابول هي أحد محطات الطاقة الرئيسية في البلاد.
(تعليق كاتب المقال): أنشات أفغانستان، بمساعدة من ألمانيا، أول محطاتها للطاقة الكهرومائية في أوائل الخمسينات. في ذلك الوقت كانت تعد متقدمة. وهي لا تزال تعمل إلى اليوم، لكن للأسف خلال الثماني أعوام الماضية لم تستطع حكومة أفغانستان بناء محطة طاقة واحدة من أي نوع. الإنجاز الوحيد الكيير كان مد خط مواصلات مع أوزبكستان بحيث يتم استيراد الطاقة من الشمال.


صورة 14: (التعليق الأصلي على الصورة): يتم خدمة كابول بنظام مواصلات حديث.
(تعليق كاتب المقال): بالمقارنة بالخمسينات والستينات، عدد أقل الآن من النساء يعملن خارج منازلهن، وأصبحت أزيائهن محافظة أكثر مما يمكن رؤيته في هذه الصورة


صورة 15: (التعليق الأصلي على الصورة): لوحة التحكم الرئيسية في مبنى إذاعة كابول. يمكن الاستماع للإذاعة على بعد يصل إلى إندونيسيا وغرب أفريقيا.
(تعليق كاتب المقال): إذا قلبت بين موجات الراديو في الستينات كنت لتسمع إذاعة لنشرات الأخبار العالمية والمحلية وبرامج الموسيقى والتمثيليات الإذاعية الفكاهية والنقاشات السياسية وربما برنامجًا فنيًا بالإضافة لبرنامج للطفل. راديو كابول الذي كانت تديره الحكومة، ونرى صورة لأحد أقسامه هنا، تم إنشاؤه عام 1930.


صورة 16: (التعليق الأصلي على الصورة): واجهة عرض أحد محلات الأزياء.
(تعليق كاتب المقال): متاجر الملابس، مثل هذا الذي في الصورة، كانت شائعة في كابول أثناء طفولتي.



[i] محمد قيومي هو رئيس جامعة كاليفورنيا، نشأ في كابول وأتى للعمل في الولايات المتحدة عام 1978. منذ عام 2002 تطوع بوقته في جهود إعادة الإعمار وعمل في مجلس إدارة البنك المركزي وكمستشار في وزارة المالية.
[ii]  http://www.foreignpolicy.com/articles/2010/05/27/once_upon_a_time_in_afghanistan?

2 comments:

  1. الصور و المقال معبران عن ما كان ، و ما هو قائم الآن ..
    لكن هناك ملحوظة من خلالها قد نستطيع رؤية الصورة كاملة..
    كل الصور (ما عدا واحدة سنعود لها) فى كابول ، العاصمة ..
    فماذا عن باقى مدن و قرى البلد؟ .. لا حس و لاخبر ..و هو ما يذكرنى بالصور القديمة التى نراها للقاهرة الخديوية ، فى حين ان صور الريف المصرى و باقى المدن لم تكن يوما على نفس المستوى فى ذات الزمن
    و الصورة الوحيدة الى تلقى بعض الضوء على حال من يعيشون فى القرى او على اطراف المدينةالعاصمة، هى الصورة الثامنة فى الترتيب و التى تمثل ممرضات فى زيارة منزلية لاحدى المنازل القروية .. الرجل فى طرف الصورة ، هل نلاحظ اختلاف ملبسه عن باقى الصور؟ هل نلاحظ جدران المنزل المتداعية ..
    لعل فى هذا المقال و صوره ، نموذجا لحاجتنا الى مزيد من التفاصيل عن كافة الامور ، حتى نستطيع رسم صورة اكثر دقة لما كنا عليه
    ليس هذا بالطبع نقليلا من شأن وجهة النظر فى المقال و لا ما يعرضه من صور
    فعلى الاقل ، كانت هذه الصور و ما تحويه من صور للتنمية البشرية و التطور نواة اجهض تطورها المد الرجعى المتخلف متمثلا فى امراء الحرب الاسلامويين

    ReplyDelete
  2. هذا كلام سديد يريد الإلمام بالصورة الكلية للمجتمع الأفغاني في منتصف القرن العشرين. ربما يقترب الكاتب بالفعل بمقاله من حالة نوستالجيا ينقد بها واقع بلاده الحالي. قد نلاحظ أيضًا أن الكاتب يستخدم كتابًا مصورًا - ربما كتالوج سياحي حسبما يبدو - به مشاهد اختارتهاالحكومة آنذاك لإبراز إنجازاتها، وبالطبع ستختار الحكومة أفضل ماعندها لإبرازه. ولم يفوت الكاتب هذا وعبر عن ذلك بقوله أنه ربما تم إضافة بعض الرتوش

    جزيل الشكر للتعليق

    ReplyDelete